الشيخ الطبرسي

268

تفسير مجمع البيان

المعنى : ثم حكى الله سبحانه جواب قوم نوح عما قاله لهم ، فقال : ( قالوا يا نوح قد جادلتنا ) أي : خاصمتنا ، وحاججتنا ( فأكثرت جدالنا ) أي : زدت في مجادلتنا على مقدار الكفاية . وفي بعض الروايات عن ابن عباس : ( فأكثرت جدالنا ) والمعنى واحد ( فأتنا بما تعدنا ) من العذاب ( إن كنت من الصادقين ) في أن الله تعالى يعذبنا على الكفر أي : فلسنا نؤمن بك ، ولا نقبل منك ( قال ) نوح ( إنما يأتيكم به الله إن شاء ) أي : لا يأتي بالعذاب إلا الله سبحانه متى شاء ، لا يقدر عليه غيره ، فإن شاء عجل وإن شاء أخر ( وما أنتم بمعجزين ) أي : لا تفوتونه بالهرب . ( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ) ذكر في تأويله وجوه أحدها : إن كان الله يريد أن يخيبكم من رحمته ، بأن يحرمكم ثوابه ، ويعاقبكم لكفركم به ، فلا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم . وقد سمى الله سبحانه العقاب غيا بقوله : ( فسوف يلقون غيا ) ويشهد بصحة ما قلنا ، قول الشاعر : فمن يلق خيرا ، يحمد الناس أمره ، ومن يغو ، لا يعدم على الغي لائما ولما خيب الله سبحانه قوم نوح من رحمته وثوابه ، وأعلم الله نوحا عليه السلام بذلك في قوله ( لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) قال لهم : لا ينفعكم نصحي مع ايثاركم ما يوجب خيبتكم ، والعذاب الذي جره إليكم قبيح أفعالكم . وإذا طرأ شرط على شرط ، كان الثاني مقدما على الأول في المعنى ، وإن كان مؤخرا في اللفظ . والتقدير : ولا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم ، إن أردت أن أنصح لكم . وثانيها : إن المعنى إن كان الله يريد عقوبة اغوائكم الخلق ، واضلالكم إياهم أي : يريد عقوبتكم على ذلك . ومن عادة العرب أن تسمي العقوبة باسم الشئ المعاقب عليه ، كما في قوله سبحانه : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ومكروا ومكر الله والله يستهزئ بهم ) وقد مر فيما مضى أمثال ذلك وثالثها : ان معناه إن كان الله يريد أن يهلككم ، فلا ينفعكم نصحي عند نزول العذاب بكم ، وإن قبلتم قولي ، وآمنتم ، لأن الله تعالى حكم بأن لا يقبل الإيمان عند نزول العذاب ، عن الحسن . وقد حكي عن العرب أنهم قالوا : أغويت فلانا بمعنى أهلكته . ويقال : غوي الفصيل : إذا فسد من كثرة شرب اللبن . ورابعها : إن قوم نوح كانوا يعتقدون أن الله تعالى يضل عباده عن الدين ، وأن ما هم عليه بإرادة الله ، ولولا ذلك لغيره ، وأجبرهم على خلافه ،